عبد الرحمن بدوي

134

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

بالذي يريد . فيخشى أن تكون هذه القوة التي في هذا العضو للطافة القوة واسترخاء العضو مفارقة قبل أن تستمكن منه . وأما مشاركته للدماغ في مجانسة النيّر ، وهو من الآراء المتفق عليها جلّ الأوائل أن الذي يخص الشمس من الناس من [ 6 ا ] الظاهر : العين ، ومن الباطن : الدماغ . قال أفلاطون : وأنت من غيره في العمل أحوج إليه ، لأنه يولّد مثله وغير ذلك مما يستحيل عند الأكثر . قال أحمد : إن هذا الكلام ليس من جنس هذا الكتاب ، وقد تجاوزت أكثر ألفاظه إلى ما ينبغي أن أخبر به . قال أفلاطون : فلا تستعمله لأنك واجد ما قد ارتفع ثلاث درجات . قال أحمد : إن اللحم عكر الطبيعة ، والغالب عليه الرطوبة والتركيب المجسّم فلا تستعمله فإنك واجد ما قد ارتفع عنه ثلاث درجات ، لأن اللحم استحالته إلى فوق عصب ، والعصب استحالته إلى فوق شعر . فالذي يقول إنك تجده هو الشعر - فتفهمه . قال أفلاطون : والعصب دون الشعر ، إلا أنه أرطب . قال أحمد : إنه قد طال كلامي في أن الأشياء الرطبة أسرع تحليلا ، إلّا أنها أبطأ تنقية ؛ فأنا مستغن عن إعادته . قال أفلاطون : والأسنان تستحيل من العصب في الجهتين : ففيه ما قد ارتفع عن الشعر ، وفيه ما انخفض . قال أحمد : يعنى بالجهتين : الفوق والأسفل . وقوله : « إن فيه ما قد ارتفع عن الشعر وفيه ما قد انخفض » - فإن الشعر مرتفع عن الأسنان في اللطافة والنفاذ ، متقاصر عنها في قوة التركيب . قال أفلاطون : فإن اضطررت إلى استعمالها فاستعمل الثنايا وما جاورها ودع الأضراس . قال أحمد : لما صارت الأضراس أكثر تخلخلا صارت العوارض الفاسدة إليها أسرع وفيها أنفذ منها في الثنايا وما جاورها . فخليق أن تقصد إلى الثنايا لقلة العوارض الفاسدة ثم لما هي مخصوصة به من ملاقة الهواء الملطّف لبعض الأجسام .